بائعي الفرح

كان يسير في الشارع على مهل بخطواته المترددة..هيئته المتواضعة كانت تنم عن فقر حاله..أما وجهه الشاحب وعيناه الواهنتان..فكانت تشي بالتعب الذي نال منه بعد نهار طويل قضاه في حر الأزقة.

إنه العم الذي اعتادت قدماه أن تحمله إلى حينا  منذ مدة..و أول ما جذب انتباهي إليه هي تقاسيم وجهه الحزينة التي كانت تتناقض تماماً مع ما يبيعه للناس..هلا نظرت إلى يمينك يا عم لترى الدواليب الملونة التي تحملها؟!!..ليتك تفعل..إذاً لتبدد حزنك مع دوران ألوانها اللامعة..كان الرجل مشغولاً بالبحث عمن يشتري منه ولو دولاباً ..ربما ليسد رمقه بثمنه.

لم يحفل به أحد..لم يرَه أحد..ليس هناك من يرغب ببضاعتك يا عم..الكل سعداء لدرجة أنهم لم يروها..الكل تعساء لدرجة أنهم لم يروها..أو ربما الأطفال في هذا الزمان لم تعد تستهويهم دواليب الهواء..ولم تعد تسعدهم بدورانها وألوانها اللامعة.

كم أنت حزين يا عم..تماماً كتلك الخالة التي تبيع الزهور..تلك التي تجلس على عتبة المتجر..لم أرَها..بل رأيت ما تبيع..و سألت نفسي عمن علمها فن تنسيق الزهور لتأتي باقاتها الصغيرة المتواضعة قمة في الذوق؟!!..من أين لها بكل تلك الأناة لتقوم بجمعها وترتيبها بأناقة ملفتة؟!!..ربما الحزن والوحدة علماها ذلك!!.

ترى بماذا كنت تفكرين يا خالة عندما جمعت زهورك؟؟..و بماذا تحلمين كل ليلة عندما تضعين باقاتك قرب الوسادة بانتظار الصباح؟!!..هل غاية حلمك هو ثمن الخبز؟؟..وإذا وجدت الخبز..فهل لديك حقاً بيت..وسرير..ووسادة؟!!!

يا عم..يا خالة..وأنت أيها الصغير الذي تبيع البالونات ولا تملك أياً منها..أنتم يا من تحملون الفرح بأيديكم دون أن تروه..يا من تبيعون السعادة للناس دون أن تشعروا بها..من سيحمل إليكم الفرح والسعادة؟؟!!!.

 

لم أتلق جواباً..و لم أسمع سوى صدى صوتي يتردد في روحي.. يا عم..عد إلى هنا غداً..سأشتري منك دولابين..سأحتفظ بأحدهما..وأقدم الآخر إليك..لم يلتفت إلي..كان بعيداً جداً..لم يرَني..ولم يسمع صوتي..أو ربما لم يصدق أنني لا زلت طفلة..تحب الدواليب الملونة.

ريـم منـهل حـسان

 

 

 

 



 ⋅